التحديات القانونية للتحول الرقمي في الأردن

بين الواقع التشريعي ومتطلبات تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية

المحامي الدكتور محمد عبد المجيد الذنيبات – خبير قانوني في تكنولوجيا المعلومات والحوكمة وحماية البيانات والخصوصية

يشهد الأردن خلال السنوات الأخيرة توسعا متسارعا في مشروع التحول الرقمي الحكومي، باعتباره أحد المسارات الرئيسية لتحديث الإدارة العامة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين. وقد حظي هذا التوجه بدعم مباشر ومستمر من جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، الذي أكد في العديد من التوجيهات الملكية ضرورة تطوير القطاع العام، وتبسيط الإجراءات الحكومية، وتعزيز كفاءة الخدمات الإلكترونية بما يحقق العدالة والسرعة والشفافية في تقديم الخدمة العامة. كما أولى سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني حفظه الله اهتماما واضحا بملف الاقتصاد الرقمي والابتكار الحكومي، وركز في لقاءاته ومبادراته على أهمية بناء خدمات حكومية رقمية حديثة تراعي احتياجات المواطنين والمستثمرين والمقيمين، وتواكب التطور التكنولوجي العالمي.

وفي ضوء هذا التوجه، عملت الحكومة الأردنية على إطلاق عدد كبير من المنصات والخدمات الإلكترونية، وتطوير تطبيقات الهوية الرقمية والدفع الإلكتروني والخدمات الحكومية عن بعد، بما يعكس انتقال الإدارة العامة تدريجيا من النموذج التقليدي إلى نموذج الحكومة الرقمية. كما عززت الدولة الإطار التشريعي الناظم لهذا التحول من خلال إصدار وتطوير عدد من القوانين المهمة، وفي مقدمتها قانون المعاملات الإلكترونية لسنة 2015 وتعديلاته، وقانون الأمن السيبراني لسنة 2019، وقانون حماية البيانات الشخصية لسنة 2023، إضافة إلى الأنظمة والتعليمات التنفيذية الصادرة بموجبها.

ورغم هذا التطور التشريعي والمؤسسي، فإن التحول الرقمي الحكومي في الأردن ما يزال يواجه جملة من التحديات القانونية والتنظيمية التي تحد من الوصول إلى بيئة رقمية حكومية متكاملة وآمنة وفعالة.

ومن أبرز هذه التحديات استمرار وجود نصوص تشريعية وإدارية فرعية تشترط المعاملة الورقية أو الحضور الشخصي أو التوقيع التقليدي في بعض الإجراءات الحكومية، رغم الاعتراف القانوني بالمعاملات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني بموجب قانون المعاملات الإلكترونية. وقد أدى ذلك عمليا إلى ازدواجية إجرائية بين المسار الإلكتروني والمسار التقليدي، الأمر الذي يضعف من فعالية الخدمات الرقمية ويحد من كفاءة التحول الرقمي الكامل داخل المؤسسات العامة.

كما تبرز إشكالية حوكمة البيانات الحكومية كأحد أهم التحديات القانونية المرتبطة بالخدمات الإلكترونية. فعلى الرغم من صدور قانون حماية البيانات الشخصية لسنة 2023 وما تضمنه من تنظيم لحقوق الأفراد والتزامات الجهات المعالجة للبيانات، إلا أن التشريعات الحالية لا تتضمن إطارا تفصيليا موحدا ينظم تبادل البيانات الحكومية بين المؤسسات الرسمية، أو يحدد بصورة دقيقة مستويات الوصول والصلاحيات وآليات مشاركة البيانات الحكومية وتصنيفها وحفظها وأرشفتها.

ومن ناحية أخرى، فإن التوسع في الخدمات الرقمية الحكومية يزيد من التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الرقمية للدولة. فرغم صدور قانون الأمن السيبراني وإنشاء المجلس الوطني للأمن السيبراني، إلا أن التطور التقني المتسارع يفرض تحديات إضافية تتعلق بمدى جاهزية المؤسسات الحكومية لمواجهة الهجمات السيبرانية، وإدارة حوادث الاختراق الرقمي، وضمان استمرارية الخدمات الحكومية الإلكترونية بصورة آمنة ومستقرة.

كما تثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحليل الآلي للبيانات داخل بعض الخدمات الحكومية إشكاليات قانونية جديدة لم تتناولها التشريعات الأردنية الحالية بصورة تفصيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالمسؤولية القانونية عن القرارات الرقمية المؤتمتة، وشفافية الخوارزميات المستخدمة في معالجة الطلبات أو البيانات الحكومية، وضمان عدم الإخلال بحقوق الأفراد أو مبادئ العدالة الإدارية.

ويضاف إلى ذلك وجود تحديات تنظيمية تتعلق بتعدد المرجعيات الرقابية والتقنية المشرفة على الملفات الرقمية، الأمر الذي قد يؤدي أحيانًا إلى تداخل الاختصاصات أو تفاوت المعايير الفنية والتنظيمية بين المؤسسات الحكومية المختلفة، بما يؤثر على تكامل الخدمات الحكومية الإلكترونية وسهولة الربط البيني بينها.

وانطلاقا من الإطار التشريعي الأردني القائم، فإن معالجة هذه التحديات تتطلب تبني مجموعة من الآليات القانونية والتشريعية التي تسهم في تعزيز التحول الرقمي وضبطه ضمن إطار قانوني متكامل.

وفي مقدمة هذه المعالجات ضرورة مراجعة التشريعات الإدارية والتنظيمية القائمة، وتعديل النصوص التي ما تزال تشترط الوثائق الورقية أو الحضور الشخصي، بما ينسجم مع الحجية القانونية الكاملة للمعاملات الإلكترونية المنصوص عليها في قانون المعاملات الإلكترونية وتعديلاته.

كما تبرز الحاجة إلى إصدار نظام موحد لحوكمة البيانات الحكومية بموجب قانون حماية البيانات الشخصية، يتضمن تنظيما دقيقا لآليات تبادل البيانات بين المؤسسات الرسمية، وقواعد تصنيف البيانات الحكومية، وضوابط الوصول إليها، وآليات حفظها وإتلافها وأرشفتها الرقمية، بما يحقق التوازن بين كفاءة الخدمات الحكومية وحماية الخصوصية والبيانات الشخصية.

ومن الضروري كذلك تطوير الأنظمة والتعليمات التنفيذية المتعلقة بالأمن السيبراني، بما يفرض على الجهات الحكومية إجراء تقييمات دورية للمخاطر السيبرانية، واعتماد معايير موحدة للحماية الرقمية، ووضع خطط استجابة ملزمة لحوادث الاختراق أو التعطل الإلكتروني، وتعزيز إجراءات استمرارية الأعمال الرقمية داخل المؤسسات العامة.

كما أصبح من المهم تشريعيا وتنظيميا وضع إطار قانوني خاص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي، يحدد ضوابط استخدام الأنظمة المؤتمتة، ويكفل حق الأفراد في مراجعة القرارات الرقمية والطعن فيها، ويضمن الشفافية وعدم التمييز في المعالجة الرقمية للبيانات والطلبات الحكومية.

وأخيرا، فإن نجاح التحول الرقمي في الأردن لا يرتبط فقط بتوفير البنية التقنية أو إصدار التشريعات، وإنما يتطلب بناء منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة تقوم على تكامل التشريعات، وحماية الحقوق الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحقيق الثقة المجتمعية بالخدمات الإلكترونية الحكومية. فكلما كانت البيئة القانونية أكثر وضوحا ومرونة وقدرة على مواكبة التطورات التقنية، زادت قدرة الدولة على تقديم خدمات حكومية رقمية فعالة وآمنة تراعي احتياجات المواطنين والمقيمين، وتنسجم مع الرؤية الوطنية لتحديث القطاع العام والاقتصاد الرقمي.